ابن أبي الحديد

56

شرح نهج البلاغة

جاء به وشهرته لسوء بلائه وقلة ارعوائه ووفائه ، ثم أمرنا بجمع من كان هناك من أولاد ملوكهم وأحرارهم وذوي الشرف منهم ، فرأينا رجالا ( 1 ) عظيمة أجسامهم وأحلامهم ، حاضرة ألبابهم وأذهانهم ، رائعة مناظرهم ومناطقهم ، دليلا على أن ما يظهر من روائهم ومنطقهم أن وراءه من قوة أيديهم ، وشدة نجدتهم وبأسهم ما لم يكن ليكون لنا سبيل إلى غلبتهم وإعطائهم بأيديهم ، لولا أن القضاء أدالنا منهم ، وأظفرنا بهم وأظهرنا عليهم ، ولم نر بعيدا من الرأي في أمرهم أن نستأصل شأفتهم ، ونجتث أصلهم ونلحقهم بمن مضى من أسلافهم ، لتسكن القلوب بذلك الامن إلى جرائرهم وبوائقهم ، فرأينا ألا نجعل بإسعاف بادي الرأي في قتلهم دون الاستظهار عليهم بمشورتك فيهم . فارفع إلينا رأيك فيما استشرناك فيه بعد صحته عندك ، وتقليبك إياه بجلي نظرك ، وسلام أهل السلام ، فليكن علينا وعليك . فكتب إليه أرسطو : لملك الملوك ، وعظيم العظماء ، الإسكندر المؤيد بالنصر على الأعداء ، المهدى له الظفر بالملوك ، من أصغر عبيده وأقل خوله ، أرسطو طاليس البخوع بالسجود والتذلل في السلام ، والاذعان في الطاعة : أما بعد ، فإنه لا قوة بالمنطق وإن احتشد الناطق فيه ، واجتهد في تثقيف معانيه ، وتأليف حروفه ومبانيه على الإحاطة بأقل ما تناله القدرة من بسطة علو الملك وسمو ارتفاعه عن كل قول ، وإبرازه على كل وصف ، واغترافه بكل إطناب . وقد كان تقرر عندي من مقدمات إعلام فضل الملك في صهلة سبقه ، وبروزه شأوه ، ويمن نقيبته ، مذ أدت إلى حاسة بصري صورة شخصه ، واضطرب في حس سمعي صوت لفظه ، ووقع وهمي .

--> ( 1 ) ب : " رجالة "